أبي حيان التوحيدي

134

المقابسات

ولو شئت لرويت من ذلك صدرا ، وهو مبثوث في الكتب ، ومنشور في المجالس ، ومتداول بين الناس ؛ بذلك وأشباهه حط رتبته ، ورده على عقبيه ، ليعلم أنه لا يعلم إلا ما علم ، وأنه ليس له أن يتمطى بما علم على ما جهل ، فان اللّه لا شريك له في غيبه ، ولا وزير له في ربوبيته ، وأنه يؤنس بالعلم ليطاع ويعبد ، ويوحش بالجهل ليفزع إليه ويقصد ، عز ربا ، وجل إلاها ، وتقدس مشارا إليه ، وتعالى معتمدا عليه . وهذا كما ترى قال العروضي : قد يقوى هذا العلم في بعض الدهر ، حتى يشغف به ويدان بتعلمه ، بقوة سماوية وشكل فلكى ، فيكثر الاستنباط والبحث ، وتستبد العناية والفكر ، فتغلب الإصابة حتى يزول الخطأ ؛ وقد يضعف هذا العلم في بعض الدهر ، فيكثر الخطأ فيه لشكل آخر يقتضى ذلك ، وحتى يسقط النظر فيه ، ويحرم البحث عنه ، ويكون الدين حاظرا لطلبه والحكم به ؛ وقد يعتدل الأمر في دهر آخر ، حتى يكون الخطأ في وزن الصواب ، والصواب في قدر الخطأ ، وتكون الدواعي والصوارف متكافئة ، ويكون الدين لا يحث على طلبه كل الحث ، ولا يحظر على طالبه كل الحظر . قال : وهذا إذا صح تعلق الأمر كله بما يتصل بهذا العالم السفلى من ذلك العالم العلوي ، فإذا الصواب والخطأ محمولان على القوى المنبثة ، والأنوار الشائعة ، والآثار الرائعة ، والعلل الموجبة ، والأسباب الموافقة ورأيت أبا سليمان يرتضى بهذا القول ، ويقوى هذا الرأي قال النوشجاني : إنما القوم اختصروا الكلام ، وقربوا البغية ، فان الإطالة مصدة عن الفائدة ، ومضلة الفطن والفهم [ قيل ] هل تصح الاحكام ؟ فقال غلام زحل : ليس عن جواب يتسبب على كل وجه ؟ فقيل : ولم بيّن ؟ قال : لان صحتها وبطلانها متعلقان بآثار الفلك وقد يقتضى شكل